فخر الدين الرازي
613
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : يوم منصوب بما ذا ؟ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منصوب ، بقوله : فَلْيَأْتُوا في قوله : فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ [ القلم : 41 ] وذلك أن ذلك اليوم يوم شديد ، فكأنه تعالى قال : / إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة ، لتنفعهم ونشفع لهم وثانيها : أنه منصوب بإضمار اذكر وثالثها : أن يكون التقدير يوم يكشف عن ساق ، كان كيت وكيت فحذف للتهويل البليغ ، وأن ثم من الكوائن مالا يوصف لعظمته . المسألة الثانية : هذا اليوم الذي يكشف فيه عن ساق ، أهو يوم القيامة أو في الدنيا ؟ فيه قولان : الأول : وهو الذي عليه الجمهور ، أنه يوم القيامة ، ثم في تفسير الساق وجوه : الأول : أنه الشدة ، وروي أنه سئل ابن عباس عن هذه الآية ، فقال : إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر ، فإنه ديوان العرب ، أما سمعتم قول الشاعر : سن لنا قومك ضرب الأعناق * وقامت الحرب بنا على ساق ثم قال : وهو كرب وشدة وروى مجاهد عنه قال : هو أشد ساعة في القيامة ، وأنشد أهل اللغة أبياتا كثيرة [ منها ] : فإن شمرت لك عن ساقها * فدنها ربيع ولا تسأم ومنها : كشفت لكم عن ساقها * وبدا من الشر الصراح وقال جرير : ألا رب سام الطرف من آل مازن * إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا وقال آخر : في سنة قد شمرت عن ساقها * حمراء تبرى اللحم عن عراقها وقال آخر : قد شمرت عن ساقها فشدوا * وجدت الحرب بكم فجدوا ثم قال ابن قتيبة أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه ، يشعر عن ساقه ، فلا جرم يقال في موضع الشدة : كشف عن ساقه ، واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعمال الساق في الشدة مجاز ، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة ، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى ، يستحيل أن يكون جسما ، فحينئذ يجب صرف اللفظ إلى المجاز ، واعلم أن صاحب « الكشاف » أورد هذا التأويل في معرض آخر ، فقال : الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر ، فمعنى قوله : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ يوم يشتد الأمر ويتفاقم ، ولا كشف ثم ، ولا ساق ، كما تقول للأقطع الشحيح : يده مغلولة ، ولا يد ثم ولا غل وإنما هو مثل في البخل ، ثم أخذ يعظم علم البيان ويقول لولاه : لما وقفنا على هذه الأسرار وأقول : إما أن يدعى أنه صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل ، أو يقول : إنه لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة ، والأول باطل بإجماع المسلمين ، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفة في أمر المعاد فإنهم يقولون في قوله : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ * [ البقرة : 25 ] ليس هناك لا أنهار ولا أشجار ، وإنما هو مثل للذة والسعادة ، ويقولون في قوله : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [ الحج : 77 ] ليس هناك لا سجود ولا ركوع وإنما هو مثل للتعظيم ، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع وفساد الدين ، وأما إن قال : بأنه لا يصار إلى هذا التأويل إلا بعد قيام الدلالة على أنه لا يجوز حمله على / ظاهره ، فهذا هو الذي لم يزل كل أحد من المتكلمين [ إلا ] قال به وعول عليه ، فأين هذه الدقائق ، التي استبد هو بمعرفتها والاطلاع